Friday, 16 December 2011

العقوبات تضعف الشعب وتزيد قوة النظام وتخلق طبقة من المنتفعين

   تصاعدت الدعوات "والتي مع الأسف أغلبها عربية" لفرض عقوبات على سوريا وبدأ العد العكسي لفرضها من جانب مجلس الجامعة العربية الذي يضم 22 دولة عربية وافقت (ما عدا العراق والأردن ولبنان) على فرض عقوبات عربية هي الأولى من نوعها تفرض على بلد عربي. ويناقش البعض بإصرار إن العقوبات يقصد منها إضعاف النظام السوري وتعجيل إسقاطه ، وان العقوبات لا تستهدف الشعب السوري أبدا بدليل ( حسب قولهم) إن عقوبات الجامعة العربية لا تشمل ( السلع الإستراتيجية) بما يعني السلع الغذائية الأساسية. وييرر أخرون مواقفهم بإن قسوة النظام السوري على المعارضين والمنتفضين دفعتهم للمطالبة بفرض العقوبات على سوريا النظام والشعب . أقول للمصرين على إن العقوبات تستهدف النظام وحده ولا تستهدف الشعب، إنه ما من عقوبات فرضت على مر التاريج على دولة كانت نتيجتها إضعاف النظام دون تأثير على الشعب.. على العكس من ذلك فإن العقوبات التي تفرض على بلد تزيد من قوة النظام فيه وتضعف الشعب بل تؤثر على الشعب المحاصر إقتصاديا وصحيا وثقافيا وحتى إنسانيا. ومن ذلك نرى الموقف الإنساني للعراق والأردن ولبنان الذي يقف مع الشعب حين يدعي البعض ان العقوبات لا تستهدف الشعب السوري. أقولها بصراحة إن العقوبات تستهدف حتى الشرائح المنتفضة من السوريين التي تطالب بفرض العقوبات وهذا ما لا يقره أي إنسان وخاصة من يطالب بإنهاء طغيان السلطة والعنف الذي يمارس على الشعب، فهل يعقل ان نضيف لمعاناة الشعب السوري معاناة العقوبات ليزداد الطين بلة، وليس ذلك فقط فإضافة الى تقوية النظام حيث سيستخدم العقوبات إعلاميا لحشد الشعب خلفه فستظهر طبقة ممن يطلق عليهم "تجار العقوبات" وهو من يمكن ان نطلق عليهم "امراء العقوبات" إسوة ب "إمراء الحروب" الذين يعتاشون على قوت الشعب وتزداد ثرواتهم على حساب معاناة الشعب وتجويعه. وهنا لابد ان نستذكر العقوبات التي فرضت على العراق بعد العام 1991 والتي تحولت الى حصار حتى العام 1995 حين بدا العراق ببيع نفطه فكان الحصار يتسبب في موت المئات من الاطفال والنساء والشيوخ العراقيين يوميا، وادعو الله ان لا يكون الحال في سوريا كذلك لان الإنسان السوري الذي يموت او لنقل يقتل بسبب العقوبات هو خسارة لا يمكن تعويضها لا من جانب النظام ولا من جانب المنتفضين.

د. مصطفى البزركان -  
Dr. Mostafa Al-Bazergan

Friday, 2 December 2011

إلغاء اصفار العملة لا يمثل وصفة سحرية لإنقاذ الإقتصاد

    منذ أكثر من سنتين طرح موضوع إلغاء 3 أصفار من قيمة الدينار العراقي وأحتفظ بملف كامل عن التصريحات التي أطلقت عن هذا المقترح ومنها على لسان مسؤولين بوزارة المالية العراقية وأخرى من جانب مسؤولي المصرف المركزي العراقي إضافة الى تصريحات أعضاء في البرلمان العراقي وكذلك ما قاله جامعيون وإقتصاديون وماليون وصحافيون عراقيون ، تراوحت التصريحات بين مؤيد ورافض ومشكك بالمقترح، وكنت اتابع التصريحات والتصريحات المضادة التي أثارت المخاوف والشكوك من المقترح واخرى تدعمه وتطالب بتنفيذه بأسرع وقت ممكن .
هنا دعونا نثير تساؤلات مشروعة ثم نجيب عليها ونترك الرأي مفتوحا للنقاش امام المختصين واصحاب الرأي.  هل العراق أول دولة تقوم بذلك ؟
كيف سيتم تنفيذ ذلك؟ وما هو الهدف منه؟ ومتى سيكون الوقت المناسب لتنفيذه ؟
     العراق ليس اول دولة تقوم بذلك فلدينا مثال قريب جغرافيا على العراق وهو تركيا التي عانى إقتصادها خلال عقود السبعينيات والثمانينيات والتسعينيات من القرن الماضي من تردي إقتصادي شديد وقفزت معدلات التضخم فيها الى أرقام فلكية وتدهورت مصادر تركيا المالية وإنحدرت قيمة الليرة التركية الى مستويات وصلت القاع. وبعدها وخلال عقدين تمكنت الدولة التركية من إنقاذ إقتصادها وإعتمدت على تنافسية صادراتها الى جانب حماية السوق التركية المحلية فحققت إنتعاشا إقتصاديا متميزا . ومع هذه المعطيات الإيجابية كان قرار الحكومة التركية عام 2005  إلغاء أصفار من عملتها ولم تقرر إلغاء 3 أصفار فقط بل قررت إلغاء 6 أصفار من عملتها ( طبعا العملية ليست إلغاء أصفار كما يعتقد البعض بل تعني إصدار عملة جديدة اطلق عليها (الليرة الجديدة) وابطل إستخدام الليرة القديمة بمعنى ان كل مليون ليرة صارت تعادل ليرة جديدة واحدة ، وإزدهر الإقتصاد لتتمكن تركيا من طلب الإنضمام للإتحاد الأوربي وحققت تركيا ما يؤهلها وحسب مصادر إقتصادية أممية لان تكون بين أكثر 10 بلدان متقدمة إقتصاديا في العالم في العام 2050. وما يزال الزائر لتركيا لحد اليوم يرى أن بعض المواد عليها سعران الاول بالليرة الجديدة والثاني بالليرة القديمة رغم إبطال إستخدام الليرة القديمة.
ولم تكن تركيا الدولة الوحيدة ، فقد قامت رومانيا بإلغاء 4 أصفار من عملتها عام 2005 ، وقام السودان بإلغاء صفرين من عملته في العام 2007، وألغت بوليفيا 3 اصفار من عملتها عام 2008، كما وتخطط إبران أيضا لإلغاء 4 أصفار من عملتها .
المثال الثاني ما حصل بعد إنهيار جدار برلين وتوحيد شطري ألمانيا حين قرر المصرف المركزي الألماني توحيد المارك في المانيا الغربية بالمارك في ألمانيا الشرقية والذي كان يقارب 6 أضعاف قيمته ليصبح بنفس القيمة .
المثال الثالث ( واؤكد هنا ما يعنيني منه هو عرض بعض تاثيرات إقرار عملة جديدة وهي مشابهة لتأثيرات عملية إلغاء اصفار من العملة).. دول منطقة اليورو التي كانت تحتفظ بعملاتها الوطنية وبعد إقرار إستخدام اليورو تبنت 17 دولة اوروبية اليورو كعملة وطنية والكل يعلم كيف إرتفعت الأسعار وعانى مواطنو تلك الدول من التضخم الى جانب الوضع النفسي، وعلى سبيل المثال كان المواطن في النمسا يشتري حاجة ب 20 شلنا صار يشتريه بيورو، كما إستغل اصحاب المحلات والتجار الفرصة ليرفعوا الأسعار كل ذلك جاء نتيجة تغيير العملة وكل ذلك ينطبق على حذف أصفار العملة ايضا فهي عمليا إقرار وإصدار عملة جديدة .
إن الهدف من حذف الأصفار هو تقليل السيولة النقدية ولكن ذلك لن يمنع من إرتفاع الأسعار والتضخم بما يشابه ما حصل في تركيا وسائر الدول التي ألغت أصفارا من عملتها.
    بالنسبة للعراق الذي هو بلد نفطي يعتمد على مواره النفطية في تمويل أكثر من 93 بالمئة من ميزانيته مما يعني ان النفط هو الداعم للدينار. وإن كانت قيمة الدينار قد تدهورت منذ عقدين بدءا من العقوبات التي فرضت على العراق مطلع التسعينيات من القرن الماضي فإن الوقت قد حان ليعكس الدينار العراقي قيمته المقومة بثروته النفطية ولذلك فإن  "الدينار الجديد " سيكون هو القيمة الحقيقية لعملة العراق وثرواته النفطية . وهنا اود ان أؤكد إن حذف  اصفار من العملة يعني عمليا إصدار عملة جديدة، وليس كما يحلو للبعض أن يتصور او يتخيل. كما ان إلغاء اصفار العملة لا يمثل وصفة سحرية لإنقاذ الإقتصاد من مشكلاته بل يمثل عاملا بين عوامل أخرى يمكن إن إجتمعت ان تحقق نهوضا إقتصاديا ضروريا.

د. مصطفى البزركان -  
Dr. Mostafa Al-Bazergan